كلمات

تلعثمت الحكاية منذ بدايتها ، منذ عقود و هي متعثرة الملامح متصدعة الأركان تتأرجح ما بين كمدٍ و كَبْد ، بين ترحالٍ و هجر ، بين الحب المفقود و الود المقطوع ، إلا أن رجولةً بدأت تتشرب ريق كلماتها في غصَّة تلك الحكاية . كانت فتوةُ ( آسرٍ ) تنبض بالحياة تغذت بكلماتٍ و نمت و أزهرت بكلمات فحان وقت القطاف . لا يعلم حقاً كيف لكلمات أمِّه أن تستبيح كينونته ، كيف لها أن تفترش سبيله نحو الغد ، هي لم تترك أمعاء فكره خاوية بل أشبعتها و إن جنح لطيش بعض حين .
ما يعلمه الآن أنَّه و برغم احتباس تأوهاته في متاهاته الضيقة و تغاريد الصمت الذي بدأ يتحسس سطوره العتيقة إلا أنَّ أهزوجة قلبه تنتفض ، و بدأت تتلعثم الحكاية على لسانه الشفاف ، و كأنَّ لسان حال الكلمات التي تذوقتها أذناه تهمس بشغفٍ له : آنَ أوانك ، فلمَ المماطلة التي اعشوشبت خلاياها على جدار اليفاعة ، تَقَدَّمْ فخطواتك كادت تموت لا عزيمة تغذيها أو تقويها ، فكأنَّما شللاً أسدل ملامحه عليها . كانت تلك الكلمات تذكره بأمِّه أو لعلَّه اقتباس باطنه لكلماتها ، أشرقت صورتها في ذاته فنثرت رحيق مسكها في أرجائه فأهدبَ الحنينُ على طرقات مستقبله فحمله و أخذ ينضح منه ليسقي نبضه دون ارتواء . سارعت إليه الذكرى بأسلاكها المكشوفة فتكهرب فكره و تصلب عند مشهد لم يزل تحت تأثير خُدْرِه . كانت والدته حينئذ تقتاتُ على كسرات أمل معه فبقيا على رمق يحييهما حياةً قد كانت كريمةً في بعض زواياها الحادة بعد أن صادر القدرُ أنفاسَ والده ، إلا أنَّ روح والده كانت تحوم على لسان والدته ذهاباً و إياباً _ رجولة ، شهامة ، وفاء ، و مروءة … الخ ، كلها كلمات كانت تلقي بها بين الفينة و الأخرى على مرمى منه . كانت كلماتٌ تُنْسجُ ببراعة على لسانها كما أنَّ العينين لم تكونا أقل براعة في تمثيل تلك الكلمات ، كانت تحدثه لا بل كانت تنشد له أخلاق والده الراقية ، كم أسرته كلماتُها ذات النسق عن والده فأحبه و أتقن حبه ، كان ألبوم الصور قاموسه للتعرف على شخص أبيه و كلمات والدته موسوعة تجسد له شخصية والده فوثَّقت معايير ثبتت في ذهنه و صميم لبِّه ، هو يعلم كيف ستكون رجولته منذ نعومة أنفاسه ، و بعد أنَّ اخشوشنت حباله الصوتية أصبح قدراً مقدوراً أن يتشبه بوالده .
مشهدٌ طالت أحداثه استوطنت ذاكرته ، ترامت أطرافُ آماله و كَبُرتْ معه ، إلا أنَّ ذاكرته فاتها بعض المشاهد التي قُدِّرَ أن تكون قبل ولادته . تلحَّفت أمه الظلم و تنفست بثالوث الوحدة و الألم و الصبر تحمَّلت ، فجنينها الوحيد يُحييها بوكزاته لذا بقي جزءٌ منها صافياً لم تعكره وكزات والده الذي ما إن شَقَّ الجنين طريقه للحياة حتى فتحت الآخرة ذراعيها لوالده .
ذهب لوالدته و قبَّل جبينها أراد أن يشكرها لمنحها إياه فرصة التعرف على والده ، قرأت على مكث كتاب وجهه الذي ارتسمت عليه تفاصيل شتى و ملامح فتيَّة ، تأملت ، ابتسمت ، غافلتها دمعةٌ فانسدلت ، و انسدلت معها ستارة المعركة التي بدأتها هي بكلمات أرضعته حروفها فكانت كل رشفة بحرف و كل ضمة بكلمة و كل ابتسامة بقصةٍ و حدث . مرَّر أنامله على تجاعيد وجهها فأزاح آثار الدمعة ، لكنه ما علم بآثار ظلت حبيسة قلبها ما اطلع عليها أحد سوى الله . فأنهى فصلاً من فصول الحكاية التي بدأت متلعثمة بأوجاع أمِّه التي ما إن استرجعت حبها و وصلتْ وُدَّها بفلذة كبدها حتى استرقَّت عبراتُ قلبها الذي تطاولت آماله عنان السماء و شقها بدعاء لم تذبل كلماته على ثغرها أبداً بل حيَّة بلهجها .
هل يعجبك محتوى قلعة الكويت؟ أضفنا إلى مصادرك المفضلة على Google لتظهر مقالاتنا أولًا في نتائج البحث.
أضف قلعة الكويتاسأل عن هذا المقال
اكتب سؤالك عن المقال وستظهر الإجابة تحت الصندوق مباشرة.
اكتب سؤالك واضغط إجابة السؤال.